الحياة مدرسة

الحياة مدرسة

في المدرسة نتعلم الدروس ثم نواجه الإمتحانات ، أما في الحياة فإننا نواجه الإمتحانات وبعدها نتعلم الدروس
 
الرئيسيةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 الفنان التشكيلي العالمي إبراهيم الصلحي

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
majde jumaa
المدير العام للحياة مدرسة
المدير العام للحياة مدرسة
avatar

عدد المساهمات : 96
مستوى التعليم : 4190
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 26/05/2013
العمر : 29

مُساهمةموضوع: الفنان التشكيلي العالمي إبراهيم الصلحي   الثلاثاء أكتوبر 29, 2013 12:48 pm

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إبراهيم الصلحي


ولد إبراهيم الصلحي بمدينة أمدرمان في الخامس من سبتمبر عام 1930.
وفي أمدرمان تلقى تعليمه العام والثانوي إلى أن التحق بمدرسة التصميم
في كلية غردون التذكارية، 1948.

قضى الصلحي في مدرسة التصميم ثلاث سنوات يدرس الرسم والتلوين
ودرّس بها قبل أن يبعث لبريطانيا لمواصلة دراسته في مدرسة سليد
للفنون بجامعة لندن في النصف الثاني من الخمسينيات.

وبعد أن قضى النصف الأول من الستينيات يدرِّس الرسم والتلوين لطلاب
كلية الفنون الجميلة والتطبيقية بالخرطوم، سافر صلحي لنيويورك لدراسة
التصوير الفوتوغرافي لمدة عام في جامعة كولومبيا.

من الصعب اختزال التدريب الفني للصلحي على التعليم النظامي وحده
كون الرجل يعتبر التعليم ممارسة حياتية تندمج في المسار الوجودي
للشخص بشكل عضوي، ففي حوار مع صديقه الناقد والباحث الأفريقاني
"أولي باير"، بمناسبة معرض نظّمته صالة "ايوالوا هاوس" في مطلع
الثمانينات بمدينة "بايرويت" الألمانية.

يقول الصلحي أن تدريبه الفني قد بدأ وهو طفل في الثانية من عمره
حين كان في خلوة والده شيخ الصلحي يحاول نسخ الكتابات والشرافا
ت على ألواح الخلوة.
والناظر في أعمال الصلحي القديمة و الحديثة يلمس بسهولة أن الرجل
لم ينقطع أبداً عن تعلّم التقنيات والأساليب الجديدة واستكشاف الرؤى
الإبداعية المخالفة لكل ما عهد عنه في أوقات سابقة. كل هذا أهّله لأن
يكون بين القلة من أبناء جيله ممن لا تزال ممارسة الرسم عندهم همّا
يومياً.

وأهمية الصلحي في مشهد التشكيل السوداني المعاصر إنما تتأتّى من
طريقة الرجل الرائدة في مقاربة الممارسة الفنية بانتباه نوعي لبعدها
الاجتماعي.
وهو أمر لم ينتبه له جيل الرسامين السودانيين الذين سبقوا الصلحي،
بل لم ينتبه له نفر كثير من جيل الصلحي نفسه.

وممارسة الرسم عند الصلحي لا تقتصر على البعد الجمالي العملي وحده
بل تتعداها نحو السعي الفكري لتأسيس إشكالية فلسفية حول دور الفنان
في مجتمعه.

يقول الصلحي أن أول معرض أقامه في الخرطوم بعد عودته من السليد
سكول أوف آرت لم يجذب الجمهور السوداني لأن الأعمال المعروضة لم
تكن تعبر عن الموروث التشكيلي للسودانيين. وقد ألهمه هذا الواقع
البحث عن المكونات السودانية في تجربة السودانيين التشكيلية
وذلك بغرض استخدامها لتأسيس أسلوب تشكيلي سوداني ومعاصر
في آن.
وفي هذا المشهد، سعى الصلحي من خلال بحثه لتعريف نوع من أبجدية
بصرية تعكس مكونات الثقافة البصرية للسودانيين.
وهكذا انطبعت أعمال الصلحي منذ عودته من بريطانيا بموتيفات تستلهم
البعد الثقافي العربي [فن الخط] وأخرى تستلهم البعد الثقافي الأفريقي
[زخارف المصنوعات الشعبية].

وقد تبع الصلحي في مسعاه نفر من أبناء جيله حتى شكلوا تيارا عفويا
سرعان ما أطلق عليه اسم "مدرسة الخرطوم". ويمكن فهم القبول
"الرسمي" لتيار مدرسة الخرطوم في كون عرض الصلحي لتأسيس
"فن تشكيلي سوداني"، إنما كان يلبّي ـ و بشكل عفوي في البداية ـ
طلبا سياسيا لدولة الطبقة الوسطى المدينية التي ورثت من المستعمر
وطنا من الأشتات العرقية والثقافية التي افتتحت عهد الاستقلال السياسي
بحرب أهلية في الجنوب.

وجدت السلطات في عرض الصلحي ـ ومن صاروا شركاه لاحقاـ نوعاً
من "محتوى" ثقافي سوداني ـ و"سودانوي" لاحقاـ منفعته السياسية
لا غلاط فيها على صعيد مشروع بناء الوحدة الوطنية التي بدونها يستحيل
بناء التنمية الاجتماعية والاقتصادية في السودان.

و هكذا تحول الصلحي مع بداية السبعينات ـ وهي الفترة التي تثبتت فيها
صورته كفنان أفريقي معاصر ذي وزن عالمي ـ إلى نوع من أيقونة وطنية
حتى أن صورته كانت تزين بعض ملصقات وزارة السياحة بوصفه فنان
السودان القومي.
ولا شك إن الثقل الإعلامي للرجل سوّغ للسلطات استخدامه في المشروع
السياسي لدولة الطبقة الوسطى المدينية فعينته دولة جعفر النميري في
أرفع المناصب الثقافية التنفيذية كوكيل لوزارة الثقافة.
ولم يستنكف الصلحي ـ بحسه الوطني العالي ـ عن تكريس كل طاقاته
لخلق سياسة ثقافية جادة كانت هي الأولى من نوعها في معظم بلدان
أفريقيا والشرق الأوسط. ورغم أن ملابسات الصراع السياسي في السودان
أدت بالصلحي إلى السجن في منتصف السبعينيات، إلا أن تجربته الرائدة
في مجال التأسيس والتنظيم لبنى العمل الثقافي في السودان مازالت
تستحق الدراسة المتأنية لاستخلاص العبر والدروس التي تقتضيها مساعي
التنمية المستديمة في بلد كالسودان.

عرض صلحي أعماله منذ مطلع الستينيات في كل أنحاء العالم في العديد
من المعارض الفردية والجماعية. ومن بين المتاحف التي تقتني أعماله
نجد متحف الفن الحديث بنيويورك ومتحف الميتروبوليتان بنيويورك وغاليري
الشيز مانهاتن بنيويورك ومتحف الفن الأفريقي بواشنطن ومكتبة الكونغرس
والناشونال غاليري أوف فيكتوريا بسيدني وغاليري لامبير بباريس والناشيونال
غاليري في برلين ومصلحة الثقافة بالخرطوم.

بين النصوص المنشورة عن عمل الصلحي، هناك مادة غزيرة بأكثر من لغة،
نذكر منها بالانجليزية:
رسالة جامعية للدكتور أحمد الزين صغيرون عن حركة الفن المعاصر في
السودان [لم اطلع عليها ولكنها تمت في جامعة وارسو في منتصف
الستينيات].
El salahi, a painter from Sudan in African Arts, vol 1, No. 1,
1967.
Ulli Beier, Contemporary Art in Africa, London, 1964.
Ulli Beier, Conversation with Ibrahim Elsalahi, Iwalewa Haus,
University of Bayreuth, 1983.
Robert Serumaga,Conversation with Ibrahim Elsalahi, in Topic,
No. 24, 1967.
والكتابات باللغة الفرنسية:
C. Friend, Salahi Le Peintre, in La Revue Française de l’Elite Européenne,
No. 199, Mai 1967.
- Ahmed Bechir Bola, Art et Identité Culturelle Au Soudan,
Thèse de doctorat, Université de Paris I, Décembre 1984
Hassan Musa, La Mutation des références Culturelles chez les
Citadins du Soudan Septentrional, Le cas des Arts Plastiques,
Thèse de Doctorat, Université de Montpellier III, 1990
وفي اللغة العربية هناك نصوص كثيرة متأخرة كتبت عن عمل الصلحي
ليس في إمكاني تصنيفها حالياً، وعليه يقتصر تصنيفي على بعض
المراجع القديمة نوعا حتى تتسنى لي عودة للأمر في ظروف أفضل.

أنظر الفنان السوداني إبراهيم الصلحي، مجلة حوار، العدد الثالث،
مارس و أبريل 1965 صالح الربيعي، الفن المعاصر في البلدان العربية،
بغداد، 1986.
بلند الحيدري، زمن لكل الأزمنة، مجموعة نصوص عن الفن العربي
المعاصر، بغداد، 1981.
هاشم محمد صالح، حوار مع الصلحي، الأيام عدد السابع والعشرين
من نوفمبر 1974.
حسن موسى، عمل صلحي بعيون صغيرون، الأيام، الرابع والعشرون
من شهر أبريل 1975.
الأمل في اصلاح العمل، مكاتيب الصلحي، مراسلات مع الصلحي
نشرت في "جهنم" ، نشرة خاصة يصدرها حسن موسى،
رقم 22 عدد مارس، 2003.
.....................................
حسن موسى أبريل 2004
المصدر : الجمعية السودانية للدراسات والبحوث
في الادب والفنون والعلوم الانسانية
السودان للجميع
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
براهيم الصلحي : شاعر يكتب بريشة ويلوّن بقلم ..
أقرب إلى القلب
جمال محمد إبراهيم
الصحافة
الإثنين 11 فبراير 2013م
******
قبضة من تراب: سيرة ذاتية
منشورات منتدى (دال) الثقافي 2012
محطة أولى : جذرالإبداع..
يتلعثم قلمي وأنا أحاول أن أكتب ما أحسبه تقديماً لقامة شامخة، إسمها
إبراهيم الصلحي ويقول عن نفسه أنه "صانع صورة". لا نملك إلا أن
نقبل هذا الوصف الصوفي المتواضع لعبقرية في الفن التشكيلي، سمقت
وعلتْ، ليس في السودان ولا فيالقارة الأفريقية فحسب، بل في العالم الفسيح . .
فناً سودانياً يبصره الناس في كل مكان.
لن يكون لي من حديث، فالكلام هذه الأمسية لمن حدثنا بفرشاة الرسم ومن كتب
لنا باللون. وقد يسأل بعضكم وما شأن السفير بسيرة صانع صورة ، ولكني أرجيء
الإجابة إلى خواتيم كلمتي هذه.
ولنا أيضاً أن نسأل : من أين يأتي الابداع ..؟
قال الأولون مِن شعراءٍ قدماءٍ، أنّ الوَحي يأتي من وادي عبقر.
قال بعضهم إن الإبداع رزق يهبه الله لبعض البشر.
وقال آخرون هو ممّا يأتي ممّا اختزن الذّهن من تجارب للمبدع، وما تكوَّن
عبر مسيرة حياته ، ولكن أيضاً ممّا قرأ وسمع وأبصر وممّا أنجزت البشرية
بوجهٍ عام ، فيخرج إبداعا يروي أول ما يروي ظمأَ صاحبه ، ثم يستسقي
بعده الأقربون والآخرون ، ثم يكون للبشرية كلّها منه نصيبٌ آخر الأمر...
تجد في "قبضة من تراب" مقدمة رصينة محكمة تأخذك إلى غور عميق
يتصلَ فيه إبداعُ شيخُنا الصلحي التصويري، وسعيُهُ لأن يدفع بسهمه في
مسيرة الإبداع الإنساني، أنجز كتابة هذه المقدمة د. صلاح محمد حسن
الجِرّق المحاضر في تاريخ الفنون في جامعة كورنيل بولاية نيويورك،
بعنوان جاذب للتفكّر هو: "صناعة الحداثة العابرة للقوميات".
يتخذَ الإبداعُ لونَهُ وتبينَ سماته من منبته، ثم يتجه من الرؤية إلى الرؤيا،
من حبيبات "البيكسل" المتناهي الصغر إلى الصورة المتخيّلة في أكمل
بهائها، ثمّ تكون الإضافة المرجوّة إلى فضاءات الإبداع الإنساني وإلى آفاقه
اللامحدودة.
على قدر إعجابي بماكتب صلاح في مقدمته، غيرَ أنّي أراها من نوع الجدل
والسّهر الذي عناه أبو الطيب المتنبي:
أنامُ مِلءَ جُفُوني عَن شوارِدِها وَيسهَرُ الخلقُ جرّاها وَيَختصِمُ
وستجد شيخنا الصلحي يسرد لك شوارده هذي، وَيضمّنها نماذج من إبداعه
الباهر، ويحدثك كيف تشكلّتْ قبضة التراب بين أصابعه، فتقف معه على بيئة
المنشأ في أم درمان . البيت الصغير . الخلوة والحيران . ملاعب الطفولة في
أزقّة الحيّ في العباسية بين فريق أمراء التعايشة وفريق حمد ثم إلى خور أبي
عنجة، حيث وجد الآثاريون اثر اًلإنسان أوّل في أطرافه .
ستجد إبراهيم يدخل إلى أحوال الأهل والجيرة، بأسمائهم وصفاتهم . طبائعهم
وسبل كسب عيشهم. البسطاء منهم والنبهاء، الأشرار والطيبون. نساء مسنّات
طيبات وأخريات في أطراف الهامش . ثمّة من يبيعون الخضار والفواكه، وآخرون
يبيعون الوهم ويخادعون العقول. المساجد والأذكار من جهة، والحوانيت والأنادي
في مجرّاتها تسبح.
يتسع العالمُ أمام ناظري شيخنا ابراهيم، فتتشكّل طينة الصّبا وتكبر في قاعات الدّرس
في وادي سيدنا، وفي مدرسة الفنون في كلية غوردون التذكارية، والتي صارت كلية
الفنون أوّل نشأتها في المعهد الفني السابق. يقع ذلك في فضاء كولونيالي ووجدان
الأمة تحت الصياغة لا يزال، فينطلق الفنان "صانع الصورة" من مكامنٍ، تنوَّعت
فيها مكوّناته ونضجت، إلى عالمٍ رحب يأخذه إلى لندن ، بلاد الإنجليز، فيصير
أكثر حذقاً وأمهر قدرة في صنع صوره.
محطة ثانية شخصية : عمّي الصلحي :
هو "عمّي إبراهيم الصلحي. .
لا أقول عنه "عمّي" مجازاً إذ أن والدي عليه الرحمة ، كان يشير لي بأن إبراهيـم
"في الحسبة عمك"، وما كنت على وعيٍ بدرجة تلك القرابة، غير أني أعرف أن
لنا أهلاً وعشيرة ومصاهرات في "فريق حمد"، وحمد هذا هو حمد ود جبرالله
جدّ شيخنا ابراهيم من ناحية أمّه.
عرفت شيخنا في مرّات ثلاث.
أول مرّة ، وأنا قد تجاوزت العاشرة من عمري بقليل ترسلني الوالدة عليها الرحمة
لابتاع أغراضاً لها من سوق النسوة في قلب السوق الكبير في أم درمان،وفي طريق
عودتي أمرّ دائما على كشك للصحف والكتب في ركن سكنٍ لمبنى "الإرسالية"
المطل باتجاه الشرق على أول شارع الأربعين . رأيت مرة كتاباً أبيضَ اللون معروضاً
عنوانه "باليه الشاعر". قلبته. كنت أقرأ العنوان: "باليه الشاعر" وغمض عليّ المعنى.
المؤلف إسمه محمد عثمان يسن . بهرتني الرسوم الداخلية . قرأت أنها من أعمال
الفنان ابراهيم الصلحي، فرسخ الإسم بذاكرتي.
المرّة الثانية حين التقيناه، وكنت بالفعل واحداً من بين تلاميذه الذين انتقاهم من بينَ
من تخرَّجوا للتو في الجامعة، نشكّل الوحدة الأولى من "الروّاد الثقافيين" الذين
بدأوا في تحقيق حلمٍ أسّسه ابراهيم الصلحي، إسمه "مصلحة الثقافة".
ولعل تلك البذرة الأولى هي التي أفضت بي إلى عوالم الثقافة والأدب وهي التي
حدت بي لأقول إني تلميذ من تلاميذ هذا المعلّم الكبير.
أما الثالثة فكانت في لندن أواخر أيام مهمّتي فيها عام 2004، نائباً لرئيس
البعثة الدبلوماسية السودانية، فشاركت بالحضور في مدرسة تجمع السودانيين
أيام العطلة الاسبوعية، أشهد شريطاً سينمائياً أخرجته شابة بريطانية لأبٍ
سوداني، تحكي فيه كيف اهتدت إلى أسرة والدها في ود مدني بعد نحو ثلاثين
عاماً من الغياب. وقف معلمي الصلحي وأطلق من ذاكرته الحيّة حكاية السيدة
البريطانية التي جاءت تحمل طفلتها إليه وهو مساعد المستشار الثقافي في
سفارة السودان، بعد أن مات زوجها في الصين البعيدة. تلك الطفلة كانت هي
المخرجة السينمائية التي أمامنا. كان مشهدا مؤثراً للغاية ، لكنّهُ الصلحي
الذي يبدع حتى في مفاجئآته الحميمة. .
محطة ثالثة: جَزَع الإبداع.. تجرِبة السّجن:
تلك تجربة نصحته فيها أمُّهُ عليها الرحمة- وقد أفرج عنه بعد اعتقال مهين
لستة أشهر وتزيد، منتصف سبعينيات القرن الماضي : "هذا بلد منكوب ما
بقي فيه الخير.أرض الله واسعة ورحمة الله أوسع، فاخرج وأولادك أولى بك
منّا ومن هذا البلد المنكود.."
ستقرأون شهادة ظلم الانسان لأخيه الانسان في أصدق تصوير، فالفنان هنا
يكتب بالريشة ويرسم بالقلم ممّا لو بلغ دوائر حقوق الإنسان آنذاك، لفعلوا
بالظالمين - وقد ذكرهم شيخنا بالإسم والصفة- فعلا لا تقف بعده حكومة أو
حاكم إلا بين يدي الله تسأله التوبة والمغفرة. ستقرأون وبالتفصيل تلك
الحيثيات التي كتب الله سطورها وقدّر للصلحي بعدها خروجاً ميسوراً،
فانطلق الفنان من قيوده التي كبّلته في وظائف الميري لفترةٍ لم تطل، لكنّها
كفلتْ له ذلك الخروج البهيّ إلى آفاق الإبداع الرحبة.
جَزَعُ الابداعِ وقلقُه، هو من جنوح الفنان المُبدع بفطرته نحو المسامحة
والانطلاق، بل والخروج النبيل، فلا خدٌ يُدار بعد خَد، ولا ظلمٌ يُجبرك على
تحمّله باغٍ مُستبد وهو مِن قبل ومن بعد، قناعةٌ من ايمانٍ عميقٍ بما كتب الله :
( وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌلَكُمْ وَعَسَى أَنْ
تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُوَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)
البقرة: الآية 216.
إنّ خيار الإغتراب بعيداً ،إلى أوكسفورد، إلى حيث يقترب المبدع من مساحات
الفعل الإنساني الإيجابي، يكون خياراً ممّا قدّر ربّ العزة ولطف، لصانع صورة،
بعد جراحات الظلم القاسية التي عاشها منتصف السبعينيات من القرن الماضي.
كان خيار الطمأنينة خارج الوطن المنكوب، هو آخر الأمر خياره الأوحد. لم تكن
نصيحة الأمّ له وهو يخرج من محنته تلك، إلا من رؤيا، إلا من نبوءة الفطرة
السويّة الثاقبة.
تلفتوا حولكم وأسألوا: أين شطر الوطن الجنوبي الآن، وقد أخرجوه من الجغرافيا
وهاهم يتهدّدون الوجدان ويدلفون بنا إلى مساحات التشظّي. "إنّهُ بلدٌ منكوب
يا ولدي.."
محطة رابعة : جذوة الإبداع
كان طبيعياً أن يكون هاجس التعبير عن الانتماء، هو شاغل مُبدعي ذلك الزمان،
والبلاد تخرج من إسار الكولونيالية إلى ساحات مفتوحة لبناء وطن تتنازعه
مكوّناتثقافية على خلفية صراع بين شماله وجنوبه. صراعات تتغذى من
بصيرة عميتعن قيمة التنوّع، وعن منطق التاريخ وعن ثراء الإختلاف في
الألسن والسحناتوالعادات، فاستشرت ظلامات شتى.
كانت شرافة الخلوة فتحا لاختراق سرِّ الحرف العربي، وزخرف لوح الشرافة
مدخلا لما عرف لاحقاً بـ"مدرسة الخرطوم"، ولشيخنا شرف الريادة.. في تلك
السنوات انبثق تيار "الغابة والصحراء" (هجنة المُكوّنين العروبي والأفريقاني)،
تمريناً سعى لتأسيس مرجعيةٍ وجذرٍ لإبداع السودانيين. تمور الساحة الثقافية
بتيارات شتى، وحال الخرطوم في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي،
كان أفضل بكثيرٍ من حالها الآن.
تخلّق في جامعة الخرطوم تيار آخر جهد أن يتجذّر عميقاً في تاريخ السودان،
فكانت "أبادماك"، تياراً طاغياً في السبعينيات من القرن العشرين، ولعله
قصد التذكير بعودة لازمة لجذور منسية، ما كان على حركة الإبداع في البلاد
أن تغفل عنها. عندي أن هذه التيارات بتنوّع منابتها وتوجّهاتها، تكمّل
بعضها البعض، وتشكل "كولاجاً" سودانيا يليق بتميّزنا على من هم حولنا .
برع شيخنا في تجاريبهِ ونسجرؤاهُ وصُنع صورِه . أما سيرتهُ التي بين أيدينا،
فهي كتابة باللون والريشة، وليهنا أن أشير إلى أسلوب الكتابة عند شيخنا
الصلحي، ودعوني أسمعكم هذا النصَّ الذي اجتزأته من ص 53 من
"قبضة من تراب" :
(قـَدْ صَدَقتْ أمّي فيمَا قالتْ،
والحالُ كذلك قد صارَ إلى الأسوأْ،
لكنَّ مع ذلك صعُبَ عليّ
يومَ أتانيالنّعي،
أنْ لا أرجع. .
والقلبُ بميلادي ما انفكَ مُعلّقْ
بترابٍ ارتبطبحبلٍ سِريّ،
جعلته يومئذٍ ليَ أمّي في ذاكرتي
رَمْزاً للوحدةِ في صُرّة،
وأنا أدرك حقاً صِلةً ما
بين الحبْلِ السِّريّ وَما بالصُرّة،
كوثاقٍأبديٍّ صِرْتُ بسرمدِهِ
أعملُ رسّاماً صانعَ صورة
أتجمّل بالعالمِ مِنحولي،
والعينُ قد اكتحلتْ
جمالاً واكتملتْ
بتُرابٍ سِرُّه سِرُ البَلدِ
أحبابي أهلُ السودان.....)
هذا من منثور الصلحي بل هوَ شعرٌ صُراح من شعر التفعيلة وايقاع الأذكار :
يا رب بهِم وبآلهِمِ....
ختــــــــــامُ الحديـــث:
عودٌ إلى ذلك السؤال الأوّل عمّا شأن السفير بسيرة الفنان. أنظرُ إلى نفسي
وقد رهنتُ تجربتي في الحياة بامتهان الدبلوماسية، أمثّل بلدي في الخارج،
وهو تمثيلٌ يبعد كثيراً عن الرفاهية ويقترب من عنتٍ ورهقٍ، كثيرون لا
يتبيّنونه ، غير أنّي- برغم نبل مقاصده- أراه تمثيلاً زائلا. "عرضاً زائلاً"،
كقول المَدَّاح. أنظر إلى تمثيلنا في الخارج ، فأرى السفير الحقيقي هو
سفير وجدان وطنه، يطلّ بجذوة إبداعه على الآخرين .
في انجلترا، ليس السفير- وليعذرني السفراء الرسميون بيننا- هو ذلك
الذي يقيم في مبنى قبالة بلاط سانت جيمس، أو في بيت السودان في
"روتلند قيت"، بل هوذلك المبدع الذي يقيم في مرسم متواضع في مدينة
العلم أوكسفورد، وبيرقه على سارية في متحف "التيت" للفن الحديث
في قلب لندن ، تجاور سارياتٍ لكبارٍ خَلُدتْ أعمالهُم مثل سلفادور دالي
وبابلو بيكاسو . .
أهنأ أيها السفير المُبدع فقد حقّقت لوطنكِ ذكراً خالدا..
حدثتكم عن جذر الإبداع وقد تشرّبه شيخنا الصلحي في بيئتهِ الصغيرةِ وزاده
صقلاً ودربة عبر مُثاقفة ومُلاقحة مع تجارب البشرية في صنع الإبداع،
ولقد انبثق عن معاناة وخرج إثر جراحات كابدها سنينا، ثمّ حلّق بجذوةِ
إبداعِهِ وبسفارةِ فنّهِ، فسما وارتفع.. لإبداعه جذرٌ في وطنه حاق به جزعٌ
فاشتعل من جذوةٍ، فصار سفارة كاملة.
بالأمس كنا ندشن كتاب السفير مصطفى مدني عن سيرته الذاتية، وقد
حدّثنا فيما حدّث عن لاءات ثلاث شهد عليها في قمة الخرطوم عام 1967 .
عند شيخنا الصلحي هي جيمات ثلاث، بين جذرٍ وجزعٍ وجذوة، كوّنت
ثلاثتُها جِماع سيرتِهِ ومسيرتهِ، هذه التي خطّها بقلمِ صانع صورة،
ولوّنها بريشة شاعرٍ، فنانٌ عظيم الشأن إسمه إبراهيم محمد عثمان
الصلحي..
الخرطوم- 7 فبراير 2013م




ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الفنان التشكيلي العالمي إبراهيم الصلحي
صحيفة الانتباهة
الأحد, 30 يونيو 2013 م
******
يعتبر إبراهيم الصلحي من أعمدة الفن التشكيلي العربي الإفريقي الحديث وأحد
رواده في العالم، لذا تحتفي أشهر متاحف الفنون العالمية بلوحاته التي زاوجت
ما بين التراث والمعاصرة والبعد الجمالي والفكر الإنساني .
كان ميلاده في شهر سبتمبر/أيلول من عام 1930 بمدينة أم درمان، حيث أكمل
مراحل تعليمه الأساسية كلها بمدارس السودان بدءاً من الخلوة، حتى كلية غردون
التذكارية ومعهد الخرطوم الفني، لتستمر رحلة حياته وإبداعه بين عدة عواصم
عربية ليستقر به المقام في عاصمة الضباب.
ويرى الصلحي أن «استقراء التراث ما هو إلا بحث فاحص بنظرة ثاقبة
يرمي إلى استقصاء القيم والخبرات الإنسانية المتراكمة عبر الزمن ويهدف
أساساً إلى استنباط الجديد الذى هو من قديمها بحيث يواكب الحاضر ويفي
بالحاجة الراهنة».
والقارئ لمسيرة حياته يرى أنها عبرت بالكثير من المحطات، ربما يكون أكثرها
أثراً عمله وكيلاً لوزارة الثقافة في السبعينات، ووضعه في ضيافة الدولة بسجن
كوبر «أشهر السجون السودانية» خلال الفترة من «1975-1976» بحجة اتهامه
بالاشتراك في الحركة العسكرية التي قادها «ابن عمه»حسن حسين.. وهو وفق
حديثه لم يكن له أدنى علاقة بها ..«سوى أن من قادها كان ابن عمه».
هذه التجربة القاسية كما قال دفعته إلى الخروج من وطنه بحثاً عن مكان يوفر له
براحات إنسانية، وحقوق مصونة لا يعتدي عليها وحرية في التحرك والتعبير
وكانت هجرته إلى دولة قطر «بعد خروجه من السجن ليعمل خبيراً استشارياً
بوزارة الإعلام بها من سنة 1977 إلى سنة 1982م.
وليتم بعد ذلك تكليفه من قبل منظمة اليونسكو ليقوم بإعادة تنظيم وزارة الإعلام
بالصومال سنة 1984 ثم العودة للعمل مره أخرى بدولة قطر بدءاً بوزارة الإعلام
ثم بالديوان الأميري خلال الفترة من 1986 إلى 1998 وجاء بعد ذلك تفرغه التام
للعمل التشكيلي بمدينة أَوكسفورد بالمملكة المتحدة التي يقيم بها وأَسرته إلى الآن.

ومن محاور جمعتنا ما بين منزله وشاطئ نهر التايمز كان سعينا في تدوين إجاباته.
يقول الصلحي: «لن أنسى يوم مجيء مدير عام السجون لتفقد أحوال المعتقلين، وقد
اعتاد زيارتنا مرة كل شهر، وكان علي الدور لطلب شيء من «البصل».. والبصل
في المعتقل بمكانة إكسير الحياة، والشفاء من كل سأم وداء، علماً أن لا قدرة للواحد
منا في ابتلاع لقمة من طعام تعافه النفس يقدم لنا بالسجن أيامها، إلا إن كانت
رائحة شيء من بصل لصق الأنف..»
يضيف الصلحي أنه حينما كرر مدير عام السجون قبل اختتام زيارته إن كنا نريد شيئاً؟..
صعب علي أن أطلب «بصلاً»، بدلاً عن أن أطالب بحقوق الإنسان فلكزني من سبقني
في الطلب حتى قلت بصوت لم أصدق أنه خارج من حنجرتي سعادتك، نريد شيئاً من
بصل ..فجيء لنا ببضع بصلات، أخذت شقة من واحدة منها وزرعتها تحت زير
الماء لأرى شيئاً أخضر.. وحينما نمت أسماها رفاق المعتقل «جنينة الصلحي».

أعمال الفنان إبراهيم الصلحي لصيقة بالمهد وأرض الأجداد وتنهل من التراث الفكري
والروحي والبيئة التي ألفها ونهل منها وعاش فيها، والمتأمل في رؤيته الإبداعية
يرى حضوراً لافتاً لشجرة «الحرازة»، وهي إحدى المميزات الطبيعية للبيئة السودانية.
وعن تأثير شجرة الحرازة في أعماله يقول الصلحي «كنت أشير إلى السودان فيما
سبق بلون تراب الأرض، وبلون المغر الأصفر والأحمر، ومنذ سنين مضت ركزت
على فكرة شجرة الحرازة، التي يحكي أنها قد حاربت المطر، رمزاً مني لإنسان
تتمثل فيه قوة الشكيمة، والإصرار على الحياة رغم فظاعة الظروف وقسوة الطبيعة
والجفاف والتصحر، واستخدام بدل الداكن من ألوان التراب، ألواناً براقة تحاكي في
رونقها نضارة نوار البرم، وأزاهير اللوبيا على ضفاف نهر النيل بشارة بروح الأمل».
شجرة الحرازة هذه الضاربة عروقها بالأرض، والتي تتحمل مختلف التحولات
المناخية وتزرع تحتها النباتات الصغيرة في موسم الجفاف ويتفيأ الناس ظلالها
الوارفة اتخذها الصلحي موضوعاً لأعماله إذ يقول: «أنا اهتم كثيراً بشجرة الحرازة
ولذا اتخذتها في أعمالي الراهنة رمزاً للإنسان السوداني البدوي الرعوي الأغبش،
عفيف النفس، المزارع المتوكل على الله، الحاصد، الصابر،القنوع».

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://schoollife.allgoo.net
 
الفنان التشكيلي العالمي إبراهيم الصلحي
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الحياة مدرسة :: المنتديات العامة :: المنتدي العامة-
انتقل الى: